تسعى الحكومة الألمانية لتوسيع صلاحيات الشرطة في استخدام تقنيات التعرف على الوجه، ما يثير جدلاً واسعاً بين حماية الأمن الداخلي وضرورة الحفاظ على خصوصية الأفراد وحقوقهم الرقمية، في ظل تصاعد المطالبات بضبط التشريعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الأمن.
- ما هو التعرف البيومتري للوجه واستخداماته الحالية في ألمانيا؟
- ما دوافع الحكومة الألمانية لتوسيع الصلاحيات؟
- انتقادات المجتمع المدني ومخاوف الخصوصية والحقوق
ما هو التعرف البيومتري للوجه واستخداماته الحالية في ألمانيا؟
تقنية التعرف على الوجه تعتمد على تحليل وقياس ملامح الوجه البشري من خلال برامج ذات ذكاء اصطناعي، ومقارنتها مع صور في قواعد البيانات لجهات أمنية أو حكومية بهدف التحقق من الهوية أو البحث عن أشخاص مطلوبين. في ألمانيا، تستعمل إدارات الشرطة ومكتب الشرطة الجنائية الاتحادية (BKA) هذه التقنية فعلياً في تحقيقاتها الأمنية منذ عام 2008، حيث تُستخدم في مواقع استراتيجية مثل محطات القطار والمطارات والتجمعات العامة—ليس فقط للبحث عن المشتبه بهم، بل أيضاً لتعزيز إجراءات حماية الأمن العام
(Deutschlandfunk).
تشير التقارير إلى ارتفاع كبير في عدد الصور القابلة للبحث باستخدام أنظمة التعرف على الوجه، حيث تضخمت قاعدة بيانات نظام GES (نظام التعرف البيومتري للوجه) لتشمل ما يزيد عن 7.6 مليون صورة حتى العام 2024، وهو ما يمثل قفزة نوعية في حجم الرصد الإلكتروني ومنظومة الشرطة الرقمية
(netzpolitik.org).
حتى اللحظة، يقتصر استخدام الشرطة على الصور المخزنة رسمياً في قواعد البيانات، والتي تشمل المجرمين، والمشتبه بهم، وطالبي اللجوء وغيرهم من ذوي الصلة، إذ تُطبق معايير مشددة لحماية البيانات وفق قانون حماية البيانات الأوروبي (GDPR) وقانون حماية البيانات الألماني. لكن لا يسمح حالياً بمقارنة الصور مع تلك المتوفرة بحرية على الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنه من المتوقع أن يتغير هذا الواقع وفق مشاريع القوانين الجديدة.
ما دوافع الحكومة الألمانية لتوسيع الصلاحيات؟
طرحت وزارة الداخلية الألمانية في العام 2025 خططًا واسعة لتطوير البنية القانونية، بحيث تُمكّن الشرطة والجمارك من الوصول والاستفادة من الصور المتاحة عبر الإنترنت ومواقع التواصل لتحديد هوية المشتبه بهم أو المطلوبين، وليس فقط من خلال النظام الداخلي للصور
(Deutschlandfunk: Gesichtserkennung).
بررت الحكومة بقيادة الوزير ألكسندر دوبريندت (CSU) هذه الخطوة بأن الاستخدام الفعال لتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجه بات ضرورياً لمواجهة الجريمة والإرهاب في القرن الحادي والعشرين، حيث قال: “لا يمكننا مواجهة تهديدات العصر الحديث بأدوات القرن الماضي.” كما أشار إلى أهمية مواكبة التطور التكنولوجي من أجل رفع كفاءة أجهزة الشرطة
(TAZ).
تعمل الوزارة حالياً على إعداد قانونين جديدين لحل هذا الإشكال، أحدهما يتعلق بتعديلات قانون الشرطة الاتحادية والآخر بتوسيع صلاحيات مكتب الشرطة الجنائية، على أن يشمل ذلك إجازة بحث تحليلي بالصور المنشورة علنياً على الإنترنت واستخدام بيانات حديثة لأنظمة الذكاء الاصطناعي. ومن المُخطط أن تدمج الشرطة الألمانية برمجيات تحليل البيانات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، بما فيها برمجيات عالمية مثل “Palantir”
(Correctiv).
ورغم تأكيد الحكومة أن التركيز الأكبر منصبٌّ على استخدام هذه التقنية في حالات الجرائم الكبرى والإرهاب، إلا أن
الجدل لا يزال محتدماً حول نطاق الصلاحيات وحدود تدقيق الصور ومنع المراقبة الواسعة أو التجاوز القانوني للعامة.
يُذكر أن الحزمة الأمنية ذات الصلة فشلت في التمرير عام 2024 لأسباب تتعلق برفض بعض الأحزاب والكتل البرلمانية، إلا أن وزارة الداخلية عادت لتفعيل النقاش مع تغييرات في قيادة الحكومة خلال 2025، وهو ما قد يسرّع من إقرار النصوص التشريعية
(Deutschlandfunk: KI-Gesichtserkennung).
انتقادات المجتمع المدني ومخاوف الخصوصية والحقوق
واجهت الحكومة هجوماً واسعاً من نشطاء الحقوق الرقمية، مشددين على أن توسيع استخدمات التعرف البيومتري للوجه يهدد خصوصية ملايين المواطنين الألمان وقد يمهد لدولة المراقبة. فقد اعتبرت المحامية والخبيرة بالخصوصية إندرا شبكير تطور التشريعات بمثابة بوابة “مراقبة كاملة” (Totalüberwachung)، محذرةً من جمع بيانات ملايين الأشخاص بصورة مستمرة، ولو كانوا أبرياء، مما يُفضي إلى خلق مجتمع يخاف أفراده من التواجد في الأماكن العامة أو ممارسة حقوقهم الديمقراطية
(Deutschlandfunk).
وجّهت المعاهد الحقوقية الألمانية ومراكز حقوق الإنسان انتقادات صريحة للغاية لمشروعات القوانين الجديدة، واعتبرتها “انتهاكاً واضحاً للقانون الأوروبي لحماية البيانات والذكاء الاصطناعي” الذي يحظر صراحة إنشاء قواعد جماعية لوجوه المواطنين من الإنترنت دون موافقة واضحة. جاء ذلك متزامناً مع تحذيرات من مخاطر التحيزات التقنية أو وقوع أخطاء تحديد الهوية على حساب مجموعات عرقية أو اجتماعية بعينها.
كما أشار نشطاء وحقوقيون إلى خطورة فقدان الشفافية والمساءلة في حال توسعت استخدامات الذكاء الاصطناعي في الأمن دون وجود منظومات رقابة فعّالة. فقد حذرت عدة تقارير متخصصة من تكرار تجارب سابقة فشلت بها حكومات أوروبية في ضبط أدوات الرقابة الرقمية، خاصة في بلدان أجازت استخدام وسائل آلية للتحقق من الهوية في السياقات العامة
(Deutschlandfunk).
ومثلما حدث مع النسخة الأولى من الحزمة الأمنية في 2024، أعربت معظم الأحزاب المعارضة—وبشكل خاص “حزب الخضر”—عن قلقها الشديد بخصوص تعارض التشريعات مع المبادئ الدستورية والحريات المدنية، رافضةً التوسع غير المحكوم في جمع البيانات الشخصية
(Deutschlandfunk: Grüne).
أبرز النقاط
- الحكومة الألمانية تنوي توسيع صلاحيات الشرطة لاستعمال التعرف على الوجه عبر الإنترنت والذكاء الاصطناعي بهدف مكافحة الجرائم والإرهاب، مع تحديث التشريعات الوطنية ذات الصلة (Correctiv).
- نشطاء حقوق الإنسان وهيئات المجتمع المدني يحذرون من مخاطر فقدان الخصوصية وسهولة الوقوع في فخ المراقبة الشاملة، معتبرين ذلك تهديداً مباشراً للديمقراطية وحقوق الإنسان (Institut für Menschenrechte).
- خطط الحكومة لم تُنجَز بعد بسبب رفض سابق في البرلمان، إلا أن التغييرات السياسية في 2025 أعادت طرح الملف مع تعديلات متوقعة (TAZ).
- ألمانيا تستعمل فعلياً التقنيات البيومترية منذ سنوات خصيصاً في المواقع الحساسة، لكن توسيع نطاق البحث ليشمل شبكة الإنترنت خطوة جديدة تحمل في طياتها تحديات تقنية وقانونية كبيرة (netzpolitik.org).
- الموضوع يثير نقاشاً أوروبياً حول حدود الرقابة الرقمية وحقوق الإنسان، خاصة مع اقتراب دخول تشريعات الذكاء الاصطناعي الأوروبية حيز التنفيذ (Deutschlandfunk: KI-Gesichtserkennung).
تم النشر بتاريخ: 24 يوليو 2025 | آخر تحديث: 24 يوليو 2025
هل تعتقد أن تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجه من جانب الشرطة الألمانية خطوة أمنية ضرورية أم تهديد خطير للديمقراطية؟ شارك رأيك في التعليقات.
حول الموضوع
- التعرف على الوجه في المطارات الألمانية: الأبعاد الأمنية والحقوقية
- مخاطر المراقبة الرقمية في ألمانيا وتأثيرها على المجتمع
- الذكاء الاصطناعي ومستقبل الأمن في ألمانيا
- دليل قانون حماية البيانات الألماني
- الشرطة الألمانية ومشاريع المراقبة الذكية
التعرف على الوجه, التعرف البيومتري للوجه, الشرطة الألمانية, حماية الخصوصية, حقوق الإنسان, الذكاء الاصطناعي في الأمن, قانون حماية البيانات الألماني

















































































